إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

969

زهر الآداب وثمر الألباب

بلجامه ، وقاده بزمامه ، علاه غبار وقائع الدهر . وزن هذا لابن المعتز هذا غبار وقائع الدهر بينا هو راقد في ليل الشباب ، أيقظه صبح المشيب . طوى مراحل الشباب ، وأنفق عمره بغير حساب . جاوز من الشباب مراحل ، وورد من الشّيب مناهل . فلّ الدهر شبا شبابه ، ومحا محاسن روائه . قضى باكورة الشباب ، وأنفق نضارة الزمان . أخلق بردة الصّبا ، ونهاه النهى عن الهوى . طار غراب شبابه . انتهى شبابه ، وشاب أترابه . استبدل بالأدهم الأبلق ، وبالغراب العقعق « 1 » . انتهى إلى أشدّ الكهل ، واستعاض من حلك الغراب بقادمة النّسر . افترّ عن ناب القارح ، وقرع ناجذ الحلم ، وارتاض بلجام الدّهر ، وأدرك عصر الحنكة وأوان المسكة . جمع قوّة الشباب إلى وقار المشيب . أسفر صبح المشيب ، وعلته أبهة الكبر . خرج عن حدّ الحداثة ، وارتفع عن غرّة الغرارة . نفض حبرة الصبا ، وولَّى داعية الحجا . لما قام له الشيب مقام النصيح ، عدل عن علائق الحداثة بتوبة نصوح . الشيب حلية العقل وشيمة الوقار . الشيب زبدة مخضتها الأيام ، وفضّة سبكتها التجارب . سرى في طريق الرّشد بمصباح الشّيب . عصى شياطين الشباب ، وأطاع ملائكة الشّيب . الشيخ يقول عن عيان ، والشاب عن سماع . في الشيب استحكام الوقار وتناهى الجلال ، وميسم التجربة ، وشاهد الحنكة الشيب مقدّمة الموت والهرم ، والمؤذن بالخرف ، والقائد للموت . الشيب رسول المنية . الشيب عنوان الفساد . والموت ساحل ، والشيب سفينة تقرب من الساحل . صفا فلان على طول العمر ، صفاء التّبر على شغب الجمر « 2 » . لقد تناهت به الأيام تهذيبا وتحليما ، وتناهت به السّنّ تجريبا وتحنيكا . قد وعظه الشّيب

--> « 1 » الأدهم : الأسود ، والأبلق : الذي لونه البلقة . وهى سواد في بياض والعقعق : طائر لونه مختلط من سواد وبياض ( م ) « 2 » في نسخة « على مقت الجمر » ( 5 - زهر الآداب 4 )